_
التثاؤب وعدواه
قد يكون للتثاؤب أكثر من وظيفة واحدة، وهذا ينطبق على عدواه
تعريب وإعداد: عروة درويش تعريب وإعداد: عروة درويش

التثاؤب وعدواه

لماذا تصيبنا الرغبة بالتثاؤب عند رؤيتنا لأحدهم يتثاءب؟ يُدعى هذا الأمر بعدوى التثاؤب، وقد أقرّ الباحثون والعلماء وجود هذه العدوى. لكن يثور الجدل بين هؤلاء عندما يحاولون تحديد السبب.

يورد موقع «ALICE» التابع لقسم الصحّة في جامعة كولومبيا بأنّ النظريات التي تفسّر هذه العدوى، معتمدة على نظريات تعريف التثاؤب، هي:

الفرضية العضويّة (physiology):
التثاؤب هو ردّ فعل جسدي على الحاجة إلى المزيد من الأوكسجين. وتفسّر هذه النظرية العدوى بكون الأشـخاص الذين يرون الآخرين يتثاءبون هم في الغالب يشعرون بذات نقص الأوكسجين، ولهذا فإنّ مشهد التثاؤب يذكرهم بأنّ خلايا جسدهم ينقصها الأوكسجين. وهو أمر يشبه قدرة رؤية أحدهم لشخص آخر يأكل قطعة شوكولا، على تحفيز الجوع.

فرضية الملل:
التثاؤب هو أحد طرق إظهار شعورنا بأن شيء ما مضجر أو جاف. وتفسّر هذه النظرية العدوى بأنّ فرص إضجار نشاطٍ ما لأحد الأشخاص، هي فرص أعلى ليضجر ذات النشاط بقيّة الأشخاص، كما في قاعة المحاضرات.

الفرضية التطوريّة:
التثاؤب سلوك يعود إلى أيّام الحياة في الكهوف، حيث كان يستخدم كنوع من الإشارة الاجتماعيّة للآخرين الموجودين في ذات المكان. ولهذا فإنّ عدوى التثاؤب ما هي إلّا صوت من الماضي يحتّم علينا أن نردّ على التثاؤب أمامنا.

الفرضية الاجتماعيّة:
يؤدي التثاؤب غرضاً تواصلياً واجتماعياً يشير إلى وجود استياء خفيف دون أن يشير إلى وجود خوف من تهديد طارئ. وهو في ذلك مثل الشعور بالجوع: ضغط خفيف وخمول. وهناك دراسات تشير إلى أنّ عدوى التثاؤب هي جزء من الاستجابات التعاطفيّة مع الآخرين.
إنّ جميع النظريات السابقة لا تزال محلّ دراسة وتحتاج إلى المزيد من الأبحاث المجهدة وإلى المناقشة وإلى تحليل ارتكاسي ... الخ
وقد تحدّث مقالٌ نشر في موقع «Live Science» عن كون عدوى التثاؤب هي من نوع «ظاهرة الصدى – Echophenomenon» (أفعال تقليديّة آليّة، تصدر دون وعي صريح – المترجم). حيث أعلنت دراسة بحثيّة بأنّها من ذات منشأ «تقليد الحركات Echopraxia» و«تقليد الكلمات Echolalia».
وفي تجربة تمّ فيها وصل لواقط كهربائية إلى أدمغة المشاركين، صرّحت جورجينا جاكسون، بروفسورة الإدراك العصبي المعرفي في جامعة نوتغنهام في إنكلترا، بأنّ محاولة مقاومة التثاؤب تزيد من الحثّ عليه. وقد وجدت الدراسة أيضاً بأنّ الميل إلى «التقاط عدوى» التثاؤب مرتبط بمستويات نشاط القشرة المحركة في الدماغ: فكلّما زاد النشاط في تلك المنطقة، كلّما زادت قابلية الشخص للعدوى بالتثاؤب. ولهذا وعندما زاد الباحثون تحفيز منطقة القشرة المحركة عن طريق اللواقط الكهربية، ازدادت قابلية الأشخاص للتثاؤب.
كما ذكر في موقع ويكيبيديا باللغة الإنكليزيّة بأنّ دراسة أجراها مجموعة من البروفسورية من جامعة ألباني تشير إلى أنّ التثاؤب هو أحد طرق التحكم في درجة حرارة الدماغ وإبقاءه بارداً. حيث تمّ في تجربتين منفصلتين وضع أكياس باردة على جبهات المشاركين وعرض فيديو للتثاؤب، وكانت النتيجة أن قلّت رغبة مشاهدي الفيديو بالتثاؤب مقارنة مع المجموعة التي لم يتم فيها تبريد الرؤوس.
وهناك نظريّة أخرى تقول بأن التثاؤب يحدث بفعل ذات المواد الكيميائيّة (الناقلات العصبيّة) في الدماغ التي تثير العواطف والمزاج والشهية والظاهرات الأخرى. وتتضمن هذه المواد الكيميائية السيروتونين والدوبامين وحمض الغلوتاميك وأوكسيد الأزوتيك. وبزيادة نشاط هذه المركبات في الدماغ، يزيد معدّل التثاؤب. وعلى العكس من ذلك فإنّ الناقلات العصبية ذات المفعول الأفيوني، مثل الإندورفين، تقلل من معدّل التثاؤب.
ويرى أصحاب نظريتي التبريد والناقلات العصبية بأنّ عدوى التثاؤب هي أمرٌ تطوري ورثناه عن أجدادنا كإحدى وسائل التحذير من الخطر، حيث كان جميع أفراد المجموعة يقومون بها بشكل متتالٍ.
وقد أشار بحث أجراه غاريت نوريس عام 2013، راقب فيه الطلّاب الذين ينتظرون في بهو الانتظار (مدعوماً بأبحاث التصوير العصبي)، إلى وجود ارتباط بين القدرة على التعاطف والتثاؤب: «نحن نعتقد بأنّ عدوى التثاؤب تشير إلى التعاطف. إنّها تدلّ على تقدير لسلوك الآخرين وحالتهم الفيزيولوجيّة».
وقد أشارت دراسة أجريت عام 2007 بأنّ الأطفال المصابين بالتوحد لا يزيد معدّل التثاؤب لديهم عند مشاهدتهم فيديو لأناس يتثاءبون، وذلك خلافاً للأطفال النموذجيين. في الواقع، تثاءب الأطفال المتوحدون بشكل أقل أثناء الفيديو الذي يظهر أشخاص يتثاءبون منه من الفيديو الذي يظهر أشخاصاً لا يتثاءبون. يدعم هذا الادعاء بأنّ عدوى التثاؤب ترتبط بالقدرة على التعاطف.
كثيرة هي الدراسات التي تدعم ارتباط عدوى التثاؤب بالتعاطف. ومن أهمها التي أجراها نورجيا وإليزابيتا بالاغي من جامعة بيزا في إيطاليا. حيث تمّ قياس فترة حدوث عدوى التثاؤب لدى رؤية غريب أو أحد المعارف أو شخص مقرّب. لقد أظهرت الدراسة أنّ التفاعل مع تثاؤب الغرباء أو المعارف يستغرق وقتاً أطول من الاستجابة (زمن الوصول Latency) لتثاؤب الأصدقاء والأقارب.
ولا تقتصر عدوى التثاؤب على المنتمين لذات الفصيلة، فقد أشارت دراسة أجرتها جامعة لندن بأنّ قابلية العدوى للتثاؤب تنتقل من البشر إلى الكلاب. أظهرت الدراسة أنّ 21 من أصل 29 كلباً قد تثاءبوا عندما تثاءب أحد الغرباء أمامهم، لكنّهم لم يفعلوا ذلك عندما فتح الغريب فمه وحسب. وقد أظهرت دراسة أخرى عام 2010 بأنّ الكلاب الذين جاوز سنّهم السبعة أشهر هم من يتلقون عدوى التثاؤب، أمّا الأصغر سنّاً فهم منيعون ضدها. وقد أظهرت ذات الدراسة بأنّ الكلاب الذين استجابوا للتثاؤب قد أصبحوا مرتاحين ونعسانين، ممّا يعني بأنّ الكلاب قد نسخت التثاؤب وكذلك الحالة الجسدية التي يدلّ عليها التثاؤب بشكل نمطي.
وقد أثبتت عدّة دراسات بأنّ التثاؤب مرتبط باختلالات عصبية متنوعة شائعة مرتبطة بمستويات الهرمونات والمسارات العصبية. وتحديداً بهرمون التوتّر (الكورتيزول Cotisol) الذي تنتجه الغدّة الكظرية. حيث وجد الكورتيزول في لعاب الإنسان بعد قيامه بالتثاؤب. وهذا يؤيّد النظريّة التي تقول بارتباط زيادة مستويات الكورتيزول أثناء سلسلة التثاؤب.
وهناك أدلّة على أنّ التثاؤب يزيد حالة التوتّر لدى الفرد. فقد لوحظ بأنّ جنود المظلّات يتثاءبون قبل القفز من الطائرة على سبيل المثال.
قد يكون للتثاؤب في النهاية أكثر من وظيفة واحدة، وهذا ينطبق على عدواه.